تراتيل الحنين.. بقلم / خضر عباد الجوعاني

عـندما يـعصفُ الشوقُ بـأجفاني تـجودُ الـعيونُ بـدمعِها مِـدراراً…..

وكـأنّ قـلبي طـيرٌ ذبيحٌ يـختلجُ كـلمّا مـرّ طيفُ ذكراكـم زواراً……

تـتـهامسُ جـوارحي بـوجعِ الـفراق وتـروي لـيالي الـجفاءِ عـنكم أخـباراً……

أصبحتُ لـلآهاتِ والـصَفناتِ مُـعزباً………….. أُقـري ضـيوفَ الـحزنِ بـصُوَركم إجـباراً…..

فـمُذ رَحـلتم غـابَ عـن سـمائي بـدرُها واسـتحالتْ دنـيايَ لـيلاً وأكـداراً…….

آهٍ عَلى رويحتي…… كـأنّ الـمرارةَ صُـبَّت فـيها صـبّاً، فـغدت حـنظلاً يَـجرعُ الأمـراراً…….

أشتاقُ لـديارنا….. لـعِطرِها.. لـضحكاتِنا..

فـعيوني بـعدكم ضـلَّت مـراسيها، ومـا عـادَ ترى ضـوءٌ ولا تـبصرُ لـلدربِ مَـناراً

 رمضان: شهرُ المحبة والإيمان..بقلم :محمد فتحى السباعى

يأتي رمضان كلَّ عامٍ لا بوصفه تاريخًا في الروزنامة، بل بوصفه حالةً حضاريّةً تُعيدُ ترتيبَ العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين الجسدِ ومعناه، وبين المجتمع وروحه. هو شهرٌ تتقاطع فيه العبادةُ مع الأخلاق، والاقتصادُ مع الكرم، والوقتُ مع القصد، فينشأ فضاءٌ رمزيٌّ خاصٌّ تتبدّل فيه الأولويّات، ويُعاد تعريفُ “الحاجة” و“الكفاية” و“الخير”.

البعدُ الروحي: من الامتناع إلى الارتقاء

الصيام في جوهره ليس مجرّد كفٍّ عن الطعام والشراب؛ إنّه تمرينٌ مقصودٌ على سيادة الإرادة، وتربيةٌ دقيقةٌ على تأجيل اللذّة. تُشير دراساتٌ في علم النفس السلوكي إلى أنّ ضبط الدوافع يعزّز ما يُسمّى “التحكّم التنفيذي”، أي قدرة الإنسان على إدارة رغباته وتوجيهها نحو أهدافٍ أسمى. في رمضان، يتحوّل الامتناع إلى سلّمٍ للصعود: يتخفّف الجسد، فيقوى الصوتُ الداخلي، ويصفو الإدراك، وتغدو العبادةُ فضاءً لإعادة المعنى إلى الحياة اليوميّة.

القيامُ والتراويحُ ليسا زيادةً في الحركة فحسب، بل زيادةٌ في الحضور. حين يقوم الإنسان في ليلٍ هادئ، ينسحبُ الضجيجُ الاجتماعيّ، وتتكثّفُ لحظةُ المناجاة. يتشكّل ما يمكن تسميته “اقتصاد الصمت”: صمتٌ يُنتج يقينًا، ويُعيد ترتيبَ الأولويّات على مقياس البقاء الحقيقيّ لا الاستهلاك العابر.

القرآن: نصٌّ يقرأ قارئه

في رمضان يتضاعف التعلّق بالقرآن؛ لا لأنّه يُتلى أكثر فحسب، بل لأنّ الوجدان يكون مهيّأً لتلقّيه. القراءة هنا ليست نشاطًا ذهنيًا فقط، بل تجربةً انعكاسيّة: النصّ يقرأ قارئه، ويُظهر له مواطنَ النقص والرجاء. يتبدّى القرآن كمرآةٍ أخلاقيّة؛ كلّما اقترب المرء منها رأى صورته أوضح، ورأى إمكاناته أوسع. هذا التفاعل يعزّز ما يسمّيه الباحثون “المعنى المتعالي”؛ أي الإحساس بأنّ للحياة مقصدًا يتجاوز اليوميّ والعابر.

البعدُ الاجتماعي: هندسةُ العطاء

يُظهر رمضان قدرةً فريدة على تحريك شبكات التضامن. ترتفع معدّلات الصدقات، وتنتظم موائد الإفطار الجماعيّة، وتتشكّل مبادراتٌ أهليّة تُعيد توزيع الموارد ولو مؤقّتًا. هنا يتجلّى مفهوم “الاقتصاد الأخلاقي”: حيث لا تُقاس القيمةُ بالسوق وحده، بل بقدرة المجتمع على رعاية أضعف أفراده. الرغيفُ يصير رسالة، وكأسُ الماءِ اعترافًا بالإنسانيّة المشتركة.

حتى الطقس البسيط، كالإفطار على تمرٍ ولبن، يختزن دلالةً رمزيّة: عودةٌ إلى البساطة الأولى، ومصالحةٌ بين الجسد وروحه بعد يومٍ من الصبر. إنّه درسٌ في أنّ الكفايةَ قد تكون أعمق أثرًا من الوفرة.

الزمنُ في رمضان: إعادةُ توزيعِ المعنى

يتغيّر إيقاعُ اليوم؛ الليلُ يُستعاد، والسَّحرُ يُستثمر، والنهارُ يُعاد تعريفُه. هذه “إعادة هندسة الوقت” تمنح الإنسان فرصةً لإعادة تقييم عاداته. تشير بحوثٌ في علم الاجتماع الديني إلى أنّ الطقوس الموسميّة تُحدث “قطيعةً مؤقّتة” مع الروتين، ما يتيح إمكان مراجعة الذات وتبنّي عاداتٍ جديدة. لذلك يغدو رمضان مختبرًا سنويًا لإعادة تشكيل السلوك.

التحوّل الداخلي: خفّةُ الروح

من يدخل رمضان بصدقٍ يخرج منه بخفّةٍ ملحوظة؛ كأنّ أثقالًا غير مرئيّة قد أُزيحت. ليس لأنّ الواقع تغيّر جذريًا، بل لأنّ زاوية النظر تبدّلت. يتدرّب الإنسان على الامتنان، فيرى النِّعَم الصغيرة، ويتدرّب على الصبر، فيرى الامتحان فرصةً للنضج. وهنا يتحقّق “التفرّد” الحقيقيّ: أن يصير لكلّ فردٍ رمضانُه الخاص، تجربته التي لا تُشبه غيرها، ومكاسبه التي لا تُقاس بميزان غيره.

خاتمة

رمضان ليس شهرًا يُضاف إلى العام، بل مقامٌ يُضاف إلى القلب. هو مدرسةٌ مكثّفة في الرحمة والعطاء والحبّ، وفيه تتلاقى العبادةُ مع العلم، والطقسُ مع التحليل، والروحُ مع المجتمع. ومن أحسنَ الإصغاءَ لندائه، أدرك أنّ الصيام ليس فراغًا، بل امتلاء؛ وليس حرمانًا، بل تحريرًا؛ وأنّ الإنسان، حين يتهذّب جوعه، يُزهرُ معنى.

أمّي في الروح تعيش.. بقلم: شاعرة الإحساس الأميرة شليمار عبد المنعم محمد

هي وجودٌ يعيش داخلنا،

لا تغادر،

هي الصوت الذي لا يختفي،

بل تتحوّل إلى ضوءٍ خفيّ

يقود خطواتنا حين نتعب.

مليكتي لم ترحل كما يرحل الناس،

لقد تغيّر شكل حضورها فقط.

صارت فكرةً تسكن قراراتي،

دعاؤها يسبق خوفي،

وصار صوتها طمأنينةً لروحي،

تجلس داخل روحي تحتضن جوارحي،

كلّما ضاق الطريق اتّسع بها.

ما زلتُ أتعلّم منها حتى ،

فهي منارةُ أفكاري وعِلمي.

كيف يكون الصبر واسعًا كسماء،

ويكون اللطفُ قوّة،

وكيف يُبنى الإنسان

من حروفٍ وكلماتٍ بسيطةٍ

تُقال في الوقت الصحيح.

كلّ ما فيَّ يحمل أثرها:

هدوئي حين أغضب،

وثباتي حين أرتبك،

وذلك الصوت الداخلي

الذي يهمس دائمًا:

لا تنكسري.

وتمرّ السنوات،

أجدها محفورةً في الفؤاد،

تحتضنها الروح لأنّها

مهما بعدت تظلّ في القلب لا تغيب.

لكن بعض الوجوه

لا تدخل الذاكرة…

بل تصبح جزءًا من الروح.

وحين يجيء رمضان،

أشعر أنّ البيت يحفظ خطواتها،

والجدران تحسُّ بلمس يديها،

والدعاء يخرج بأنغام نبضها.

أمّي في القلب لا تغيب،

نعم… تحوّلت إلى طريق،

الطريق الذي يسير بنا،

نمشي على خطاها مطمئنين،

لأنّ الطريق يحمل ضحكتها وعقلها.

أمّي في الروح تعيش،

نبض الحياة… هي الطريق

الذي يمضي بنا إلى الطمأنينة،

وكلّ خطوةٍ فيه تهمس باسمها.

مهما طال الفراق، يبقى قلبها فيَّ،

ينير دربي، ويسكن روحي…

أمّي في الأعماق تعيش.

 ولادة القنديل ..قصيدة للشاعر الأردنى/ زيد الطهراوي

الدفتر المغموس بالأحلام فاح بلا عناء

و مضى الظلام فأدرك القنديل وجهته البعيدة

قنديل أشواق يعب من النهور بلا ارتواء

شغف يفاجئه صباحاً بالعناقيد الرغيدة

قنديل أمجاد تهذبه العواصف في العراء

و تناثرت أمواج حزن كي تغيب عن المسارات السديدة

و الغامسون القلب بالطهر المجنح أيقظوا وعد الصفاء

و تآلفت كل النوافير التي غابت قليلا مع مسرات فريدة

يا شاعر الأشجار من سمع القصيدة ؟

من غرَّق الدنيا بهمستها و أرساها على بر الوفاء

و لم النداء يذوب رغم البحث عن سفن تضاء

و تؤوب وحدك دون أزهار و ماء

يا شاعر الأشجار كثف رحلة الفجر المديدة

الشعر يكبر في فؤادك كي يطير إلى سماوات جديدة

و رنا إليك الأوفياء

فاطمح إلى الأوتاد تدهشنا بأربطة عنيدة

واسمح لدفتر شعرك الذهبي أن يلد النقاء

حافظ الشاعر يواصل كتابة سلسلة مقالاته: «رمضان… حين يعود القلب إلى الحياة»..رمضان والمجتمع المتراحم(30/4)

 حين يتحول الصيام إلى مشروع وطن ..ليس رمضان عبادة فردية تُؤدَّى فى صمت، بل روحٌ عامة إذا سرت فى الناس تبدّل وجه المجتمع كله.

فالصائم الحقيقى لا يكتفى بأن يُمسك عن الطعام، بل يُمسك عن الأذى، ويُفطر على الرحمة، ويبيت وقلبه مشغول بغيره كما هو مشغول بنفسه.

فى هذا الشهر تتبدل ملامح الشوارع قبل أن تتبدل ملامح الوجوه.

موائد تمتد، وأيادٍ تُعطى، وقلوبٌ تلين بعد قسوة العام الطويل. وكأن رمضان يوقظ فى المجتمع ضميرًا كان ينتظر لحظة التنبيه.

لكن الحقيقة التى يجب أن ننتبه لها:

رمضان لا يصنع مجتمعًا متراحمًا وحده… نحن الذين نصنع ذلك بروحه.

لقد علمنا الصيام أن الجوع ليس رقمًا فى تقرير، بل إحساسٌ يطرق الأحشاء.

ومن ذاق الجوع ساعاتٍ، هان عليه أن يمد يده بالخير أيامًا.

وهنا تتحول العبادة من طقسٍ فردى إلى مشروع إنسانى واسع.

المجتمع المتراحم لا يُبنى بالخطب وحدها، بل بسلوك يومى بسيط:

حين يخفف التاجر على الناس ولا يستغل الموسم.

حين يراعى الموظف حاجات البسطاء.

حين يفسح السائق الطريق، ويكفّ الغاضب لسانه، ويستر القادر محتاجًا دون ضجيج.

رمضان مدرسة عملية للأخلاق العامة، لا دروسًا نظرية تُنسى بعد العيد.

فإن خرج المجتمع من الشهر كما دخله—بقسوة التعامل، وغلظة القول، وارتفاع الأسعار، وانتشار الأنانية—فقد ضاعت الحكمة من الصيام.

وفى زمن الثورة التكنولوجية، لم تعد الرحمة مقصورة على الحى والشارع، بل امتدت إلى الفضاء الرقمى.

كلمة تُكتب قد ترفع إنسانًا أو تكسره، منشور قد يُصلح أو يُفسد، شائعة قد تُطمئن أو تُرعب.

ومن هنا يصبح الصيام الرقمى ضرورة موازية للصيام التقليدى:

صيام عن التنمر،

صيام عن نشر الشائعات،

صيام عن تتبع العثرات،

وصيام عن قسوة الكلمة خلف الشاشات.

إن المجتمع الذى ينجح فى تهذيب سلوكه فى رمضان، يضع قدمه على طريق النهضة الحقيقية.

فالأوطان لا تبنيها المشروعات وحدها، بل تبنيها القيم التى تحكم سلوك الناس فى الشارع قبل المؤسسات.

فلنجعل من هذا الشهر الكريم موسمًا لإحياء خلق الرحمة فى معاملاتنا اليومية،

ولنُحوِّل الصيام من عبادة وقتية إلى منهج حياة.

اللهم ازرع الرحمة فى قلوبنا، وأصلح مجتمعنا، واجعل رمضاننا باب خيرٍ واسع.

اللهم احفظ مصرنا الغالية، وأدم عليها روح التكافل والمحبة، واصرف عنها كل سوء وبلاء.

وإلى اللقاء فى المقال الخامس من سلسلة

«رمضان… حين يعود القلب إلى الحياة» 🌙