الدكتور مصطفى يوسف اللداوي يكتب عن : عمار بن ياسر يلقي التحية على أدهم العكر ويطمئنه

أبشر يا أبا بكر فإنك لصادقٌ أمينٌ، وطنيٌ مخلصٌ ثابتٌ لا تلين، قويٌ متينٌ راسخٌ مكينٌ، لا تغير ولا تبدل ولو قطعوا منك الوتين، ومزقوا جسدك بالسكين، وإنك لعلى الحق المبين والصراط السوي المستقيم، لا تزل قدمك ولا تتعثر خطاك، ولا يتلعثم لسانك ولا تلن قناتك، فلا يعيبك أسرك، ولا يحزنك ما أصابك، ولا يفت في عضدك ما أجبرك عليه عدوك، ولا يحط من قدرك ما نشر من صورك، وكن واثقاً أن يد المقاومة القوية ستثأر لك، وستنتقم ممن تآمر عليك وأسرك، وتعاون مع العدو واعتقلك، وذلت رقبته له وسلمك، واعلم أنك عند شعبك لعالٍ كبير، ولقويٌ عزيزٌ، فلا يفرط فيك ولا يقصر في الدفاع عنك، وعما قريب سيفرض حريتك وستعود إلى بيتك وحيث أهلك، عهداً سنفي به قطعاً، ووعداً بإذن الله عز وجل سننجزه صدقاً.

أبشر أيها القائد الهمام والبطل العظيم أدهم العكر، فإن الذي أيَّدَ عمار بن ياسر وطمأنه من فوق سبع سمواتٍ في كتابه الكريم، وبرأه بآياتٍ تتلى إلى يوم الدين مما تلفظ به لسانه، وصدق ما وقر في قلبه، وشهد له بالإيمان وصفاء العقيدة، وحفظ بين قومه قدره ومقامه، وأعلى في الدنيا منزلته ورفع في الآخرة درجته، وجعله أهلاً لأن يكون أحد العشرة المبشرين بالجنة، وقد كان في حالٍ يشبه حالك، إذ تكالب عليه الكفار واجتمعوا، وأرادوا به كيداً ومكروا، لكن الله عز وجل رد كيدهم في نحرهم ونصره عليهم.

إن عمار يا أدهم ليشهد لك بالصدق والوطنية، والإخلاص وصفاء النية، ويعدك أن تكون على رأس طليعة المجاهدين، وفي مقدمة الفاتحين، وحامل راية المنتصرين، وسيمكنك يوماً بأن تدوس بكعب نعلك من تباهى بأسرك وتغطرس باستنطاقك، وتسحقه بأخمص حذائك، وتحز رأسه كما حز عبد الله بن مسعود رأس أمية بن خلف، وتجعله مثالاً للعملاء الساقطين، وعبرةً للجواسيس الخائنين، ودرساً بليغاً لكل من تآمر على شعبه وغدر به وخانه، فإنك والله ما هنت ولا ذللت، بل سموت وحلقت، وكما لم يفتوا في عضدك ولم يوهوا عزيمتك، فإنهم والله ما نالوا منا بهذه الصور، ولا أضعفوا روحنا المعنوية ولا أثروا فينا سلباً، لكنهم شحذوا همتنا وقووا عزيمتنا للثأر والانتقام.

ليس منا من لم يحزن على هذا الجبل الأشم الذي ركع على الأرض، وجثا على ركبتيه أمام هذا الأثيم الزنيم، العتلُ الجبان المريد، الذي أجبره على أن يردد أمام الكاميرا ما يريد، وأن يسمعه ما يحلم به ويتمنى، وما علم وهو المارق من الدين والمرتد عن الإسلام، أن الله سبحانه تعالى يكلأ أسيره ويحفظه، ويبرؤه مما يقول ويطهره، وأنه يسمو به ويرفعه، ويدافع عنه وينصره، وأنَّى له أن يواجه الله عز وجل ويتحدى إرادته، ويقف في وجهه ويعانده، ولعله بات بعد ما رأى وسمع، وقرأ واطلع، أنه وقع في شر أعماله، وسقط في شراك أفعاله، وأنه طال الزمن أو قصر فإن سيف العدل سيطاله، وعقاب أهل الأرض قبل رب السماء سيناله.

ولئن كان عمار بن ياسر تقتله الفئة الباغية، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن أبا بكر أدهم العكر تأسره الفئة الضالة الظالمة، الملعونة المغضوب عليها، ولا شك لدينا أبداً أنهم كذلك وأسوأ، لكن ثقتنا في الله عز وجل كبيرة، أن هذه الصفحة ستطوى بعزٍ، وأن هذه المشاهد ستتكرر بكرامة، وأننا سنسمع بعد أيامٍ قليلةٍ مواقف بطلنا أدهم الحقيقية، التي سيصدح بها من زنازين العدو، ومن أروقة محاكمه العسكرية، وستتسرب إلينا وإلى العالم كله كلماته المدوية، ومواقفه الصلبة، التي تؤكد أنه ثابت وغير نادمٍ، ومصرٌ غير متراجعٍ، وسيطلق من سجنه تهديداته إلى الصغار الذين اعتقلوه، والعبيد الذين سلموه، وحينها سيعض الظالمون على أيديهم، وسيبكون وسيندمون، ولكن ولات حين مندم.

سلام الله عليك أبا بكر، سلام الله عليك أيها الأسد الرابض والهزبر الثائر، سلام الله عليك منا ومن ياسر، وسلامه لكم من أهلك وأسرتك ومن رفح الأبية وغزة القوية، واعلم أننا لن نخاف عليك بعد اليوم، ولن نقلق على مصيرك، وسنذكر أبداً أنك بقيت مرابطاً في أنفاق رفح حتى أيامك الأخيرة، وأنك رفضت الخروج منها رغم الظروف الصعبة التي كنت تعيشها وإخوانك في ظل حصارٍ عسكري إسرائيلي دام لأشهر طويلة وما زال، وسنذكر أنك ضحيت بنفسك من أجل إخوانك، وبقيت معهم ترصد وتستكشف حتى أمنت طريق الخروج بأمانٍ لأكثرهم، وآثرت أن تبقى ليخرج آخرهم آمناً مطمئناً، فطب بنفساً أيها البطل، وقر عيناً أيها القائد العظيم، ولتهنأ أيها الفارس المغوار الذي ما ترجل عن جواده، ولا ألقى سلاحه، ولا فر من ساحة جهاده.

بيروت في 4/2/2026

الإدارة الأمريكية تدلل إسرائيل وتصغي إلى مطالبها ..بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

ليس هناك شك بأن الإدارات الأمريكية كلها، الجمهورية والديمقراطية، وكل مؤسساتها التنفيذية والتشريعية والعسكرية والأمنية وغيرها، تقف إلى الكيان الصهيوني منذ تأسيسه وحتى اليوم، وتتعامل معه على أنه جزءٌ أصيلٌ منها، وكأنه ولاية من ولاياتها الخمسين، وقطعة أرضٍ من وطنها، فهي تؤيده وتسانده، وترعاه وتحفظه، وتحرص عليه وتخاف على مصالحه، وتدافع عنه وتحميه، وتصد عنه وتقاتل من أجله، ولا تتردد أبداً في تقديم مختلف أشكال الدعم المادي والعسكري والأمني والتكنولوجي وغيره، لتبقى إسرائيل الدولة الأقوى عسكرياً في المنطقة، والأكثر نفوذاً وتأثيراً في رسم سياستها وتحديد مساراتها، والأكثر تفوقاً في كل المجالات الاستراتيجية، كي تشعر بأنها آمنة وغير مهددة، وقوية وغير مستضعفة، وحصينة وغير مستباحة، ومهابة فلا يتطاول عليها أحد أو تتجرأ عليها دولة، أو يهدد أمنها تنظيمٌ عسكري أو تشكيلٌ أمني.

لكن إسرائيل المدللة المرفهة لا يرضيها شيء، ولا يشبع نهمها عطاء، ولا تكتفي بما تأخذ وتنال، ولا تكف عن السؤال، بل تتمادى أكثر وتطمع في المزيد، ولا تخجل أو تتردد في طلب الجديد، فهي تريد من الولايات المتحدة الأمريكية أن تقدم لها أكثر، وأن تلبي حاجاتها وأن تصغي إلى مطالبها، وأن تستجيب إلى مخاوفها، وأن تتفهم ظروفها، وهي تعلم أن الإدارات الأمريكية ضعيفة أمامها، ولا تستطيع إلا أن تلبي طلباتها، بل وأن تستجيب إلى شروطها وتنزل عند رغباتها، وسجلاتها تشهد على ذلك وتؤكده.

فهي تريد من إدارة الرئيس ترامب أن يهاجم إيران، وأن يقصف منشآتها الأمنية، ومصانع ومنصات صواريخها البالستية، وأن تمهد لإسقاط النظام واستبداله بآخر مسالم لها، لا يهدد أمنها ولا يحمل شعارات زوالها، وهي ترفض لجوء الإدارة الأمريكية إلى خيار المفاوضات، وتصر على عدمية هذا المسار وعدم جدواه، بل إنها تخشى نجاحه وتخاف من ضياع الفرصة المتاحة لتوجيه ضرباتٍ عسكرية قوية لها، تجهض مشاريعها، وتدمر مستودعاتها ومصانعها العسكرية، والتي من شأنها إضعاف النظام وسقوطه، وانقلاب الشعب عليه وتخليه عنه.

وهي تريد من الإدارة الأمريكية أن تستبعد تركيا وقطر من أي ترتيباتٍ مستقبلية للسلام في قطاع غزة، وترفض مشاركتهما في قوة الاستقرار الدولية التي ينوي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الإعلان عنها، في الوقت الذي تطالبهما بالضغط على حماس والتشديد عليها، والتضييق على قيادتها وعدم تقديم تسهيلاتٍ لها.

وتصر على الإدارة الأمريكية ألا تمارس أي ضغوطٍ عليها لإجبارها على فتح معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة أو زيادة عدد العائدين إليه، بينما تطالب بالضغط على الحكومة المصرية لفتح المعبر باتجاهٍ واحدٍ فقط، أو السماح بخروج من يشاء من سكان قطاع غزة، دون تحديدٍ مسبقٍ للعدد المسموح له بالمغادرة، بما يحقق هدفها القديم بتهجير سكان قطاع غزة، وإخراجهم منه بكل الوسائل الممكنة.

وترفض القبول بزيادة عدد شاحنات المؤن والمساعدات الغذائية والوقود وغاز الطهي التي تدخل إلى القطاع يومياً من الجانب المصري، في الوقت الذي تصر فيه على مواصلة حصولها على الذخيرة والدعم العسكري الأمريكي، بينما ترفض الالتزام بالخطة التي طرحها الرئيس الأمريكي شخصياً، وتطالبه بأن يسمح لها بحرية العمل العسكري في مناطق قطاع غزة، رغم عدم وجود مخاطر تكتنف جيشه أو تعرض حياة جنوده للخطر.

وفي لبنان تريد من الإدارة الأمريكية أن تطلق يدها بالعمل في الأراضي اللبنانية، وأن تمارس القتل والتدمير وتهجير السكان، بينما تطالبها بالضغط على الحكومة اللبنانية للخضوع للشروط الإسرائيلية والالتزام بها، في الوقت الذي لا تعطيها الفرصة لبسط سلطتها وانتشار جيشها وتسهيل عودة سكانها، والمباشرة في أعمال الإعمار وإعادة البناء واستعادة الحياة المدنية الطبيعية لسكان الجنوب اللبناني.

وتريد من الإدارة الأمريكية تأييد المطالب الكردية “قسد” في شمال سوريا، ومنع تركيا من تهديد وجودهم وشن الحرب عليهم، وعدم التخلي عنهم أو الضغط عليهم للقبول بالشراكة والاندماج مع الحكومة المركزية السورية في دمشق، وتضغط على صناع القرار الأمريكي للحفاظ على الجيب الكردي شمال سوريا، وتمكينه من فرض هويته وتأكيد استقلاليته وبسط سلطته في المناطق التي يسيطر عليها.

كما تريد من الرئيس الأمريكي العمل على شرذمة الدولة السورية وتمزيقها، وتسهيل تقسيمها “فيدرالياً”، أو خلق كيانات قومية وطائفية أربعة فيها، كردية ودرزية وعلوية إلى جانب الدولة العربية السنية التي مركزها العاصمة دمشق، على أن يصار إلى اقتطاع أراضٍ منها لصالح الكيانات الثلاثة التي تتطلع لتشكيلها وتقديم الدعم المادي والعسكري لها، وتذليل القبات السياسية أمام الاعتراف الدولي بها.

كثيرةٌ هي المطالب الإسرائيلية من الإدارة الأمريكية التي تخضع لها وتستجيب، وتعدها عما قريب بفرض السلام الإبراهيمي، وإشراكها في المنظومة السياسية للمنطقة، وتهيئة الأجواء المناسبة لتكون ضمن النسيج الاجتماعي لسكان المنطقة، وتنقية المناهج التعليمية والدينية مما يتعارض مع سياساتها، أو يؤسس لرفض وجودها والعمل على مقاومتها، وللأسف فإن الإدارة الأمريكية تجد آذاناً عربية صاغية لها، وحكوماتٍ خاضعة لها، وجاهزة لتنفيذ تعليماتها والالتزام بسياستها، والعمل معها لتأمين مستقبل الكيان ومحاربة كل من يفكر بالمساس به، أو العمل على استعادة حقوقه منها.

بيروت في 3/2/2026

الغاية والهدف من استمرار القصف الإسرائيلي على غزة ..بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

رغم أن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة قد تجاوزت المائة يومٍ بكثيرٍ، وما زالت ماضية رغم العثرات، ومستمرة رغم الخروقات، وثابتة رغم التحديات، إلا أن جيش العدو الإسرائيلي ما زال يقصف مناطق سكنية وخياماً باليةً على من فيها، ويطلق النار من فوهات بنادقه الرشاشة ودباباته على أهداف كثيرة هي في أغلبها أهدافٌ مدنية لتجمعاتٍ سكانية من النازحين مراراً من مناطقهم، واللاجئين إلى حيث لا أمان في مناطق كثيرة مبعثرة، ممن لا يشكلون خطراً على أمن جنوده وسلامة جيشه، ولا يوجد بينهم قادة للمقاومة أو شخصيات رمزية لها، ورغم ذلك يصر جيش العدو على قصفها، وإطلاق النار عليها واستهدافها، بغاراتٍ تنفذها تارةً طائراته الحربية من الجو، وتارةً أخرى تنوب عنها دباباته المتمركزة غير بعيدٍ عنهم.

قد لا يكون السؤال عن سبب العدوان الإسرائيلي منطقياً أو طبيعياً، إذ لا مكان للاستغراب من عدوانه، ولا جديد في معرفة أسبابه، فهذه طبيعته التي نشأ عليها، وهذه جبلته التي فطر عليها، فهو قد اعتاد القتل والعدوان، والقصف والغارات، بلا أسباب موجبة، وضد أهداف لا تشكل عليه خطراً، ورغم ذلك فإنه يصر على الاحتفاظ على مستوى معينٍ من نشاط جيشه العدواني، الذي يعبر فيه عن حقيقته العدوانية، وأخلاقه الدونية، وعنصريته البغيضة، ومفاهيميه الدينية المتطرفة، وتعاليم تلموده المتشددة، التي جعلت منه أسوأ عدوٍ عرفته الإنسانية، لا يشكل خطراً على الفلسطينيين وحسب، بل إنه بسياساته وأطماعه وطباعه وعاداته وطبيعته العدوانية، يشكل خطراً على المنطقة كلها، وعلى الاستقرار والسلم والأمن العالميين.

لكنه إضافةً إلى طبيعته العدوانية، التي نتفق عليها ولا نختلف، فإنه يتطلع من وراء مواصلة عملياته العسكرية في قطاع، التي تهدد خطة ترامب بالفشل، وتنذر بانهيار وقف إطلاق النار، إلى القضاء على كل مظاهر المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، من خلال استهداف البنى التحتية، وتدمير ما بقي من أنفاق المقاومة، وتصفية واغتيار عناصرها وقادتها ورموزها السياسية والأمنية والعسكرية وغيرها، في محاولةٍ منه للسباق مع الزمن، وانتهاز الفرص والاستفادة من المراحل الانتقالية، قبل أن يكون نشاطه العسكري في قطاع غزة متعذراً أو صعباً، بعد دخول الخطة مراحلها الثانية والثالثة، وتشكيل قوة الاستقرار الدولية العسكرية وانتشارها في قطاع غزة، وتمركز قوات أمريكية ودولية على الحدود للفصل بين الجانبين.

لكن للعدو أهدافاً أخرى يخشى ضياع الفرصة عليه وخسارتها، ويستعجل خطواته لتحقيقها والوصول إليها، فهو يريد من وراء مواصلة عملياته العسكرية الموجعة في قطاع غزة، إلى التأكيد على أن قطاع غزة ما زال منطقة عملياتٍ عسكرية خطرة، وأنه لم يعد يصلح للحياة والاستقرار، وأن على سكانه أن يفكروا جدياً بالرحيل منه والبحث عن بديلٍ آمنٍ يصلح للعيش ويؤمن لهم الحياة، ويرى أن لجيشه الحق بمواصلة أنشطته العسكرية الوقائية والاستباقية والدفاعية، وهو لا يضمن سلامتهم ولا يستطيع حمايتهم، ولهذا ينصحهم بالمغادرة والرحيل، والبحث عن بدائل آمنة ومستقرة، والاستفادة من الفرص والعطاءات الدولية، والحوافز المشجعة والعروض المغرية

والهدف الآخر الذي يتطلع إليه العدو من خلال عملياته العسكرية المتواصلة على قطاع غزة، هو دفع المواطنين الفلسطينيين الراغبين في العودة إلى القطاع للتراجع عن قرارهم، وعدم المغامرة بحياتهم، والبحث الجاد عن فرص إقامةٍ جديدةٍ تناسبهم، وعدم خسارة إقامتهم الحالية، لأن الحياة في قطاع غزة أصبحت “بزعمهم” مستحيلة، فقد دمرت البيوت والمنازل، ونسفت الجامعات والمساجد، وحرثت الطرق والشوارع، وأتلفت الحقول والمزارع، ودمرت المجاري وأنابيب الصرف الصحية، وخطوط الكهرباء وشبكات مياه الشفه، ولم يعد هناك مستشفيات أو مراكز صحية وصيدليات ومؤسسات طبية.

ولعل العدو يمعن في التدمير والتخريب واستمرار العمليات العسكرية، ليمنع التدفق الشعبي الفلسطيني إلى القطاع لا منه، لأنه في هذه الحالة يكون قد خسر أكثر، وفقد الفرصة النادرة التي لاحت له بتهجير الفلسطينيين وترحيلهم، والتخلص منهم والاستيلاء على أرضهم والسيطرة عليها والاستيطان فيها، لكنه يعلم أنه يراهن على سراب، ويعيش على الوهم والخيال، ولن يتمكن من تحقيق أيٍ من أهدافه التي أعلن عنها، فهذا الشعب الذي صبر على القتل المروع على مدى عامين، وصمد في أسوأ الظروف وأشدها قسوة، لن يترك أرضه، ولن يتخلى عن وطنه، ولن يفرط في حقوقه ومكتسباته، وسيورث أجياله ثباته، وسيبقى متمسكاً بقطاعه بأملٍ يغيظ عدوهم، ويقين يحبط آماله ويفشل مخططاته.

بيروت في 31/1/2026

الدكتور مصطفى يوسف اللداوي يكتب عن : مصطلحات جديدة ومفاهيم غريبة على غزة وأهلها

منذ أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خطته لوقف الحرب في قطاع غزة، وفرض تصوره الشخصي للحل النهائي فيه على مراحل ثلاث، وأجبر الكيان الصهيوني على الالتزام بها، أو هكذا يبدو للعيان، رغم محاولات رئيس حكومته التفلت منها وعدم الالتزام ببنودها، بل انتهاكها وتعطيلها، ومحاولة فرض وقائع جديدة على الأرض قصفاً واغتيالاً وتدميراً تعطلها أو تبطلها، ووضع شروطٍ مستحيلة على المقاومة، وتوجيه اتهاماتٍ باطلة للتملص من الخطة، وتحميل المقاومة الفلسطينية المسؤولية عن إفشالها، وعدم الوقاء بشروطها، كاستعادة جثمان آخر أسيرٍ إسرائيلي، والمباشرة في نزع السلاح وتفكيك الصواريخ وتسليم خرائط الأنفاق.

بدأ الفلسطينيون يسمعون مصطلحاتٍ جديدة تتعلق بهم وبقطاع غزة، ومفاهيم وأسماء ومهام وملفات لم يعتادوا عليها من قبل، ولم يسبق لهم أن ناقشوها أو عرفوا بها، كما لم يتسن لهم المشاركة في هيئاتها وإقرارها أو الموافقة عليها، أو حتى إبداء الحق في الاعتراض عليها، فيما يبدو أنها فرضت فرضاً وأمليت عليهم قهراً، حتى غدا رفضها انتحاراً، والاعتراض عليها مخاطرة جسيمة، والوقوف في وجهها مستحيلاً، فيما يبدو بوقوف الولايات المتحدة الأمريكية خلفها أنها استراتيجية وهامة، وأنها عملية وجادة، وأن دول العالم ستجتمع عليها وتشترك فيها، وقد أدركوا أنها المحاولة الوحيدة التي استطاعت أن تضع حداً للحرب الإسرائيلية المجنونة على قطاع غزة، وأن توقف جنوح نتنياهو لمواصلة الحرب واستمرارها.

تتحدث خطة ترامب للسلام عن أربعة هياكل مختلفة في أسماها ومتكاملة في مهامها، تنفرد الأولى منها بالضبط والحزم لجهة محدودية المهام والصلاحيات، وحصرية الأسماء والأعداد، وهي اللجنة الوطنية لإدارة غزة (NCAG)، المكونة من أربعة عشر عضواً برئاسة د. علي شعث، وقد أقرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بصفته رئيساً لمجلس السلام العالمي، الذي شكله وعين نفسه رئيساً له، وعقدت اللجنة برئاسة د. شعث أولى جلساتها في القاهرة، إلا أنها ما زالت خارج القطاع، ولم تتمكن من الدخول إليه وتأسيس مقارها والمباشرة في أعمالها، إذ ترفض الحكومة الإسرائيلية فتح معبر رفح، والسماح للجنة بالدخول إلى غزة، رغم أن أعضاءها جميعاً من سكان قطاع غزة، ويوصفون بأنهم تكنوقراط، ومستقلون لا ينتمون إلى فصائل فلسطينية، ولا يتلقون التعليمان من السلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله ولا يحسبون عليها.

تقتصر مهام اللجنة الوطنية الإدارية على تنفيذ الخدمات التي يقرها المجلس التنفيذي التأسيسي، الذي سيرأسه الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ميلادينوف، ويحمل صفة “المندوب السامي”، والذي سيكون بمثابة الحاكم الفعلي والرسمي لقطاع غزة، ورئيساً للمجلس التأسيسي المفتوحة عضويته، وهي الهيئة الثانية في خطة ترامب للسلام، وسيضم المجلس العديد من الشخصيات الدولية مثل وزير الخارجية الأمريكية مارك روبيو، ووزير الخارجية التركي ورئيس المخابرات المصرية العامة، ومستشارين في وزارتي الخارجية الإماراتية والقطرية، إلى جانب مبعوثي السلام الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، وعدد آخر غير معلوم من كبار الاقتصاديين ورجال الأعمال الأمريكيين وغيرهم، وسيكون من بينهم عدد من رجال الأعمال الإسرائيليين ممن يحملون جنسياتٍ أخرى، في الوقت الذي سيبقى باب العضوية فيه مفتوحاً لمن يرشحه رئيس مجلس السلام العالمي.

يشكل مجلس السلام العالمي الذي يرأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصياً، الهيئة الأعلى والمؤسسة الأساس في خطة السلام، وهي المؤسسة الرابعة والمرجعية الأولى لمشروع السلام والمسؤولة عن إقراره وفرضه، إلا أنه لم يتم بعد تحديد ميثاق الهيئة، وتحديد صلاحياتها، وبيان صفتها، وتحديد أطرها الشرعية والقانونية، إلا من بعض التصريحات التي يطلقها ترامب، ويحاول من خلالها رسم هوية وبيان مهام مجلس السلام العالمي، الذي يطمح أن يتجاوز عدد المنتسبين إليه من الملوك والرؤساء ورؤساء الحكومات ألــــ 60 عضواً، ممن تتوفر فيهم المواصفات المطلوبة للعضوية، كالتأثير في مسار السلام، والعلاقة مع أطراف النزاع، والملاءة المالية للمساهمة في صندوق إعادة إعمار قطاع غزة.

أما الهيئة الثالثة في خطة السلام فما زالت محل خلافٍ واختلافٍ، ولما تتشكل بعد ولم توافق عليها أغلب الدول المعنية، إذ تعترضها عقبات وتحديات، وتكتنفها صعوباتٌ ومهام قد لا يتم التوافق عليها، وهي “قوة السلام المشتركة”، وهي قوة عسكرية متعددة الجنسيات الدولية، يرأسها جنرال أمريكي متقاعد، ويتطلع الرئيس الأمريكي “رئيس مجلس السلام العالمي” أن يكون في عداد هذه القوة قواتٌ عسكرية من دولٍ عربيةٍ وإسلامية، كمصر والأردن والسعودية ودولة الإمارات العربية وقطر والمغرب، إلى جانب تركيا وماليزيا وإندونيسيا وغيرها من الدول العربية والإسلامية لتشكل غطاءً للأهداف المعلنة وأداةً لتنفيذها، بالتعاون مع قوات دولية أخرى أمريكية وأوروبية وغيرها، ولكن هذه القوة لم تتشكل بعد بسبب ضبابية المهام وشبهتها، إذ ترفض الدول العربية والإسلامية أن تكون رأس حربة نزع سلاح “المقاومة الفلسطينية”، وتجريد الشعب الفلسطيني من سلاحه، إلى جانب رفض حكومة العدو الإسرائيلي إشراك دولتي تركيا وقطر في قوة السلام الدولية.

خطة ترامب للسلام وإن كانت قد أوقفت الحرب الخشنة على قطاع غزة، إلا أنها ليست الحل السحري للقضية الفلسطينية، وهي لم تفرض أصلاً من أجل الفلسطينيين وحرصاً عليهم وتأميناً لمطالبهم ونزولاً عند شروطهم، وإنما هي في حقيقتها كـــ”السم في الدسم”، إذ لها مآرب أخرى وأهداف مختلفة، وهي بالتأكيد في مآلاتها ليست في صالح الشعب الفلسطيني، الذي كما لم يمرر أي مؤامرة سابقة عليه وأفشلها، فإنه سيقف ضد جديدها ولن يسمح بتمريرها، وكما أفشل سابقاتها فإنه سيفشل لاحقاتها، إلا إذا كانت لصالحه، وتخدم أهدافه، وتعيد حقوقه، وتحفظ أرضه ووطنه.

 احزان للبيع..حافظ الشاعر يكتب عن:حين يصبح الدم خبرا عابرا.. ونفقد إنسانيتنا بلا ضجيج..!!

نحن لا نعيش أزمة عابرة، ولا نمر بعثرة أخلاقية مؤقتة، نحن أمام فاجعة مكتملة الأركان؛ فاجعة اسمها مجتمع فقد بوصلته، وتخلى عن إنسانيته قطعة قطعة، حتى صار قتل الأطفال خبرا، والتحرش فضيحة مؤجلة، والانحراف حكاية تروى على المقاهي، ثم تنسى مع أول “ترند” جديد.

ما جرى في قرية الراهب بالمنوفية ليس حادثا جنائيا فقط، بل مرآة قبيحة لما وصلنا إليه. شاب يقتل ثلاثة أطفال أبرياء انتقاما من والدهم، لا لأن الأطفال ارتكبوا ذنبا، بل لأنهم كانوا أسهل طريق لحرق قلب رجل آخر.

هنا لا نقف أمام جريمة قتل فحسب، بل أمام سقوط أخلاقي مدو، وانهيار شامل لكل ما كنا نتغنى به من قيم ودين وأعراف.

السيناريو – إن صح كما أعلنته النيابة وكرره محامي المتهم – صادم حدّ الذهول..اعتداءات جنسية متكررة، صمت طويل، جريمة كامنة تحت السطح، ثم انفجار دموي يذهب ضحيته أطفال لا يعرفون من الدنيا سوى ألعابهم وأسمائهم الصغيرة.

والأب؟ متهم.

والقاتل؟ متهم.

أما الأطفال.. فمجرد أرقام في محضر.

الأدهى، والأكثر فجاجة، ذلك السؤال البارد الذي يطرح بلا خجل ؛”الأطفال ملهمش ذنب.. بس أبوهم له ذنب”؟!!

وكأننا نعيد إحياء منطق الجاهلية؛ يقتل البريء بذنب غيره، وكأننا نسينا قوله تعالى “ولا تزر وازرة وزر أخرى”

من أين خرج هذا المنطق الأعوج؟!

من أي مستنقع فكري تسرب إلينا هذا التبرير المرعب للجريمة؟!

الحقيقة المُرة أن هذه الجريمة لم تولد في لحظة، بل نمت في الظل..في صمت الأسرة،وفي خوف الضحية،وفي مجتمع يخجل من مواجهة الانحراف أكثر مما يخجل من وقوعه،وفي إعلام يلهث خلف الإثارة، لا خلف الحقيقة،

وفي منصات تواصل اجتماعي تلقن المراهقين والمراهقين المتأخرين كل شيء..إلا الضمير.

نعم، مواقع التواصل الاجتماعي شريك أصيل في الجريمة، لا لأنها صنعت القاتل، بل لأنها صنعت مناخا بلا رقابة، بلا قيم، بلا خطوط حمراء.

عالم افتراضي مفتوح على كل أنواع الشذوذ والانحراف، يقدم تحت لافتة الحرية، بينما هو في حقيقته فوضى أخلاقية مسلحة بالهاتف والإنترنت.

أين الرقابة؟..أين دور الدولة؟..أين المدرسة؟..أين المسجد والكنيسة؟

أين الأسرة التي تكتشف مبكرا، وتحمي قبل أن تعالج؟

نحن مجتمع يحب الصراخ بعد الكارثة، ويكره الوقاية قبلها.نبكي الأطفال بعد ذبحهم، ولا نحميهم وهم أحياء.

نلعن الجريمة، ثم نعيد إنتاج أسبابها كل يوم.

فالنصيحة يا سادة- أقرب للصرخة احموا أبناءكم قبل أن تحاسبوا عليهم.

راقبوا ما يدخل عقولهم قبل أن تراقبوا هواتفهم..لا تصمتوا على الانحراف بدعوى الستر، فالسكوت هنا شراكة غير مباشرة في الجريمة.

والدولة مطالبة-الآن لا غدا-بتشريع ورقابة حقيقية على الفضاء الإلكتروني، وبمنظومة حماية نفسية واجتماعية لا تترك الضحايا فريسة للعار والخوف.

#فى_النهاية_بقى_أن_نقول؛

إذا لم نتدارك هذا الانهيار الأخلاقي،

فلن يكون آخر الدم،وسيظل الأطفال يدفعون الفاتورة في مجتمع قرر أن يتأخر عن إنقاذ نفسه.. حتى النهاية..!!